محمد بن عبد الله الصفار
159
رحلة الصفار إلى فرنسا
وكان كثيرا فتكون مرغوبا فيها وربما باعها بأكثر مما دفع والعكس بالعكس ، ويحل المشتري محل البائع فيما كان يأخذه من المستفاد . ويعملون مثل ذلك في بناء القناطر ، فالقناطر التي رأيناها عندهم جديدة كلها يؤدى عليها العوض في المرور . وهي من عمل التجار حتى تمضي المدة المحدودة لهم فيرفعون أيديهم ويبقى الناس يمرون عليها بلا شيء كما في القناطر القديمة . ويعملون مثل ذلك في استخراج المعادن وغير ذلك . ولا يقصر ذلك على الكبار من التجار ، بل ربما كثروا الأوراق وقللوا ما فيها من العطاء بحيث يسهل على غالب الناس شراؤها ، وكل واحد يأخذ على قدر ما دفع ولو كعشرة من ألف . ثم انتهى بنا المسير في طريق الحديد المذكورة إلى داخل بيت كبير عالي السقف جدا داخل سور مدينة باريز فيه ينتهي سير البابور المذكور ومنه يبتدئ السير فهو مرساه ، وكان مثله في ابتدائها من مدينة أورليا . فدخلنا مدينة باريز في وسط النهار من يوم الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة الحرام متم عام أحد وستين مايتين وألف ، موافقا الثامن والعشرين من الشهر دجنبير ، متم عام خمسة وأربعين وثمانمائة وألف من ميلاد عيسى عليه السلام بتاريخ الروم . فكانت مدة سفرنا من مرسيليا لباريز سبعة أيام ، ومن تطوان لباريز خمسة عشر يوما . ولما رجعنا « 1 » ، نزلنا من أكداش بابور النار رجعنا لأكداش سفرنا ، وكانت لحقتنا من طريق أخرى فركبنا فيها حتى بلغنا المحل الذي أعد لنزولنا هنالك . وبقي لنا من المدن التي دخلناها مدينة طولون « 2 » ، ولم نذكرها مع ما تقدم لأنها لم تكن في طريقنا وإنما سرنا إليها قصدا بعد رجوعنا من باريز . لما وصلنا إلى مدينة إكس في حال رجوعنا تركنا طريق مرسيليا وسرنا لطولون ، وطريقها صعبة وعرة فيها جبال ونبات ، والعمارة بها قليلة وغالبها أجنات دوالي العنب وأشجار الزيتون ، وبالقرب منها قليل من أشجار اللشين . وهذه المدينة هي مأوى عساكرهم البحرية ومرسى سفنهم الحربية ، وهي صغيرة لاكنها في غاية التحصين ، لها سوران وخلف كل سور حفير عظيم واسع . وعند بابها
--> ( 1 ) عمد الصفار هنا إلى الحديث عن الرجوع ، حتى يكون حديثه المفصل عن باريز قائم الذات ، لأن مقام البعثة السفارية المغربية بباريز هو أهم مراحل الرحلة . ( 2 ) ويقابلها في الفرنسية ( Toulon )